أمريكا وحصاد الفوضى الخلاقة !

عشرون سنة وأمريكا تدعي أنها تحارب الإرهاب، بعد أحداث 11 سبتمبر المشكوك في الجهة التي تقف وراءها، فبسببها غزت أفغانستان التي كانت مهدا لظهور الحركات الجهادية العالمية، من طالبان إلى مكتب المقاتلين العرب الذي اطلق عليه مقاتلوه اسم “القاعدة” بعد خروجهم من أفغانستان هائمين بين السودان وبلدان أخرى بعد أن استولت طالبان على الحكم وأسقطت الحكومة الشيوعية المدعمة من الاتحاد السوفياتي سابقا، ثم احتلالها للعراب بدعوى امتلاك صدام السلاح النووي، الأكذوبة التي شاركت في تلفيقها الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي كان يترأسها المصري محمد البرادعي، قبل أن يخرج علينا كاتب الدولة الأمريكي للشؤون الخارجية الأسبق كولن باول ويكشف بعد خراب العراب وفتحه أمام كل التنظيمات الإرهابية، أن حكومة بوش كانت على يقين أن العراق لم يكن يمتلك السلاح النووي، وكان الادعاء بذلك فقط سببا لتبرير غزو العراق وإسقاط صدام لا غير.

 اليوم وبعد كل الخراب الذي ألحقه تواجدها العسكري وحلفائها في أفغانستان، وبعد اعتقال قادة طالبان لسنوات في قاعدة غوانتنامو بكوبا، تنسحب أمريكا بكل بساطة من هذا البلد الذي غزته غداة أحداث برجي التجارة والبنتاغون مقر وزارة الدفاع الأمريكية، وتترك الشعب الأفغاني بمن فيه من تعاونوا معها طوال العشريتين الماضتين في فم غول طالبان يواجهون مصيرا مفتوحا على كل المخاطر، وبالفعل فقد بدأت الحركة بتصفية المتعاونين مع القوات الأجنبية، رغم تصريحات وعمائها المطمئنة للغرب، أنها لن تنتقم ممن تعاونوا مع الحلفاء وأنها ستحمي حقوق النساء وكل الشعب الأفغاني.

 فمن سيثق بعد الآن في أمريكا التي انقلبت على حلفائها في الحرب التي جرتهم إليها في أفغانستان وفي حروب أخرى، وانسحبت دون استشارتهم، ولا حتى أبلغتهم بحقيقة علاقتها بطالبان التي فتحت لها الأبواب على مصراعيها للعودة لحكم هذا البلد الجريح؟ انسحاب الجيش الأمريكي من أفغانستان ما زال لم يكشف بعد عن الأسباب الحقيقية التي تقف وراءه، ولا المكاسب التي حققتها من وجودها هناك والذي صرفت من أجله بضعة تريليونات دولار على تكوين الجيش الأفغاني وتسليحه لينكشف الأمر بعد ذلك أنه لم يجرؤ حتى على مقاومة رجال يقاتلون على متن دراجات نارية، بينما لم تصرف دولارا واحدا على التعليم ولا على البنية التحتية ولا التنمية الاقتصادية لهذا البلد الذي مزقته أزيد من أربعين سنة من الحروب التي تقف وراءها أمريكا.

في البداية وباعتراف وزيرة الخارجية السابقة ومرشحة الرئاسيات المنهزمة أمام ترامب هيلاري كلينتون التي صرحت أمام الكنغرس متحدثة عن الحركات الإسلامية التي تقاتلها اليوم بمن فيها القاعدة وأخواتها في أفغانستان أن أمريكا هي من صنعتها بتمويل وبفتاوى سعودية لمواجهة المد الشيوعي للاتحاد السوفياتي المقبور الذي قادت ضده حرب استنزاف في أفغانستان حتى أسقطته وتلاشت دوله وانفصلت الواحدة تلو الأخرى عن الاتحاد الذي كان يؤرق أمريكا لعقود.

ثم حرب العشريتين الأخيرتين التي ادعت أنها ستقضي من خلالها على بؤر الإرهاب الإسلاموي هناك، لكنها لم تفعل شيء سوى أنها وزعته بالتساوي على كل القارات من أوروبا إلى أسيا فإفريقيا، وما زال العالم يصحو كل صباح على التفجيرات وأخبار الموت بتوقيع من القاعدة وداعش وغيرها من الجماعات الجهادية، وحتى القضاء على بن لادن زعيم القاعدة في ماي 2011 الخبر الذي زفه إلى العالم وقتها الرئيس الأسمر وعراب ثورات الربيع العربي باراك أوباما، لم ينقص شيئا من الخطر الذي يتربص بالعالم من قبل الجماعات الجهادية أو بالأحرى الإرهابية الذي يهدد البشرية، والذي كان في كل مرة يعطي أمريكا الذريعة لاحتلال بلد ما، أو إلحاق العقوبات ببلدان أخرى؟ كل هذا وما زال من في العالم يعتقد أن أمريكا ستحرره مما يسمى بالأنظمة الدكتاتورية في سوريا وليبيا وقبلها في العراق ومصر، لكنها في الحقيقة لم تزرع غير الخراب حيثما مرت.

 السؤال الذي وجب طرحه اليوم من قبل أحرار العالم، متى ستحاسب أمريكا على كل الدمار الذي تسببت فيه عبر كل العالم وعلى كل الفوضى التي لم تخلق سوى المزيد من الفوضى والمزيد من القتل والترويع؟