التجميل العشوائي يهدّد بالعمى والموت!

مختصّون يحذّرون ويدعون إلى ضبط وتقنين المهنة

رئيس الاتحاد الدولي للطب التجميلي: بعض مواد التجميل خطيرة ولابد من كفاءة مُستعملها
نساء يشترين منتجات طبية تجميلية ويحقنّ بها أنفسهن!
ذكور ينافسون الإناث في مراكز التجميل..

انتشرت مراكز التجميل غير الجراحي في الجزائر بشكل لافت خلال السنتين الأخيرتين، ووجدت في الجزائريين الباحثين عن الوجه الجذاب والجسم الرشيق رغم الأسعار الخيالية زبائن من ذهب، غير أن رحلة البحث عن الجمال المفقود قد تهوي بهم إلى مخاطر قاتلة أو تشوّهات تدمر نفسيتهم وصحتهم مدى الحياة.
أضحى التجميل في الجزائر، متاحا للجميع..إذ صار بإمكان الفتيات الحصول على شفاه أو حواجب، أو ضحكة الفنانات اللواتي يبهرنهنّ، ووجوه مشدودة، كما صار بمقدورهن الحصول على شامات أو “خانات” أو “فوسات”.
وحتى الشباب تملّكهم هوس التجميل، فأقبلوا على عمليات التخلص من التجاعيد والشعر الزائد، والصلع..ساعدهم في ذلك انتشار مراكز عديدة للتجميل غير الجراحي عبر مختلف ولايات الوطن، التي انتقلت عدواها إلى المناطق الداخلية أيضا.

رجال ينافسون النساء على عمليات تجميل الوجه..
اقتربت “الشروق” من بعض الجزائرييّن لرصد آرائهم بخصوص عمليات التجميل، فقالت “ليليا” وهي طالبة جامعية، بأن التجميل أضحى هوسا للفتيات، بسبب منصّات التواصل الاجتماعي، التي تعرض صور الفنانات والمؤثرات اجتماعيا، وهن في قمة جمالهن بسبب عمليات تجميل بسيطة، وأضافت “أنا شخصيا أجريت عملية حقن بلازما الدم في وجهي، لإضفاء مزيد من النضارة عليه، وأعجبتني النتيجة”.
أما “ليلى” وهي مقبلة على الزواج الشهر المقبل، فأخبرتنا بأن عروس السنوات الأخيرة محظوظة جدا، لوجود فرص تجميل عديدة تساعدها في تعديل مظهرها، وقالت “لقد قمت برسم حواجبي بطريقة طبيعية لأن حواجبي خفيفة جدا، ورسمت خانة ستبقى في وجهي لمدة عامين كاملين، وأبرزتُ أشفاري، وقمت بعملية تمليس الشعر بواسطة منتوج برازيلي، ونفختُ شفاهي وخدودي.. ومازال ينتظرني الكثير !!”.
وحتى الشباب جرفتهم الموضة نحو عمليات التجميل البسيطة، لغرض تحسين مظهرهم الخارجي، حيث قال “خالد” بائع في محل عطور، بأنه لجأ إلى عملية تقشير وجهه، وإزالة لحيته وشواربه بالليزر، بل ورسم حواجبه.. ولكن بطريقة خفيفة لا تظهر للعيان، دون الحديث عن عملية تمليس شعره بمنتجات مستوردة، مؤكدا لديه صديق قام بنفخ شفاهه قليلا..!!

نضارة الوجه ونفخ الشفاه وتكثيف الحواجب وشفط الدهون الأكثر طلبا
ومن عمليّات التجميل الطبيعية، التي باتت متوفرة في الجزائر، ويكثر عليها الطلب من مختلف الفئات، يذكر المختصون العمليات المتعلقة بـ “جمال النظرة” حسب تسمية المتخصصين، وتتمثل في عمليات تطويل الرموش طبيعيا وتكثيفها، ملءُ الحواجب الفارغة وتحديدها وشفط الدهون، وفيما يخص عمليات “جمال البشرة”، فهنالك مختلف علاجات البشرة، وإزالة التصبغات منها وإعطائها النظارة وكذا نزع الشعر بالليزر، أما في جمال الابتسامة، فلدينا بالخصوص توريد الشفاه وتبييض الأسنان.
وللتقرب أكثر من هذه المراكز، ومعرفة أسعارها وزبائنها، قصدنا مركز “تريزور دو بوتي” بالقبة في العاصمة، لصاحبته أمينة، وهذا المركز يقوم بعمليات تجميل غير جراحية وحديثة.
وقالت محدثتنا بأنها من محبي الجمال الطبيعي غير المبالغ فيه، وهو ما جعلها تستفيد من تكوين في المجال في بعض الدول العربية وبتركيا أيضا، شد إليها الباحثات عن إبراز جمالهن طبيعيا، ومن دون مبالغة، ومنهن من يزيد سنّهن أو يقارب 60 عاما.
وكشفت أمينة، بأن غالبية العرائس مؤخرا، صرن يركزن على إبراز جمال وجوههن وشعرهن وقوامهن، بدل التركيز على شراء التصديرة والأفرشة والذهب مثلما كانت عليه عرائس السنوات الماضية، وقالت “يأتين إلينا ليقشرن وجوههن ولتبييض الأسنان، وتمليس الشعر وعلاج التالف منه، تطويل الأشفار رسم الحواجب طبيعيا، وإزالة الشعر بالليزر، وضع الأظافر الصناعية”.
وتضيف المتحدثة أنّ عالم التجميل تطور جدا، بتطور مختلف التجهيزات المستعملة، إذ صار لكل عملية تجميلية جهاز خاص بها بعيدا عن مبضع الجرّاح، أما الأسعار فتتحدد حسب المنتجات المستعملة، إن كانت أصلية مستوردة أو محلية.

ماكثات بالبيت وموظفات يٌقبلن على تعلّم تقنيات التجميل
وبات الإقبال كبيرا جدا، على تعلم مختلف تقنيات التجميل من طرف فتيات وشباب، إذ تؤكد أمينة، بأنها تتلقى يوميا عشرات الطلبات لإجراء تكوين، ومنهن حتى موظفات وماكثات بالمنازل، وهو ما جعل مركزها ينظم عدة دورات تكوينية في أكثر من ولاية عبر الوطن.
وإن كانت محدثتنا تستعمل أجهزة تجميلية للاستعمال الخارجي فقط، فبعض المراكز الأخرى تلجأ لاستعمال حقن الفيلر والبوتكس، مع ادخال منتجات تجميلية دائمة في البشرة، وهو ما قد يتسبب في مضاعفات للزبائن في حال أسيء استعمالها.

التجميل.. اختصاص يحتاج طبيبا وتكوينا في المجال
ولمعرفة رأي الأطباء المختصين في المجال، تحدثنا مع الدكتور محمد أوغانم، وهو طبيب في الأمراض الجلدية والطب التجميلي والليزر، وأمين عام الاتحاد الدولي للطب التجميلي، مسؤول عن دول أفريقيا والشرق الأوسط، فسألناه عن امتهان التجميل بمراكز غير طبية، وإن كانت هذه الممارسات شرعية، فقال “في الأصل المواد المستعملة في التجميل، على غرار الفيلر والبوتكس تعد منتجات طبية، ونجدها فقط في العيادات الطبية.. بل البوتكس مثلا كان يُستعمل لدى بعض الاختصاصات الطبية فقط، ولم يكن متاحا للجميع”.
ويرى أوغانم، بأن مراكز التجميل غير الطبية، من المفترض أن تقدّم رعاية للشخص، دون تعريض حياته للخطر أو لمضاعفات تجميلية محتملة، وتحت إشراف أشخاص أكفاء ومكوّنين في المجال.
ومع ذلك، أكد لنا، بأنه لا يمكن إطلاق تسمية “الطب التجميلي” على من يقوم بعمليات التجميل، “لأن تخصص الطب التجميلي على هذا النحو، لم يتم اعتماده بعد في معظم البلدان، بالإضافة إلى أن الموضوع ولحساسيته يحتاج أن يملك ممارسه درجة طبيب، وأجرى بعد دراسته دورة تدريبية في الطب التجميلي، تتراوح مدتها بين سنتين إلى 4 سنوات، حسب كل دولة”، ليُؤكد بأن الخضوع لعمليات تجميلية جراحية أو غير جراحية، ستكون له أحيانا بعض الأعراض الجانبية، وقال “حتى أمهر طبيب في اختصاصه، لا يمكن أن نقول بأن لديه صفر مخاطر.. ولكن الطبيب الجيد، يعمل بأقل عدد ممكن من المضاعفات وبإمكانه تحمل مسؤوليته والاعتناء بالمريض بشكل صحيح، في حال حصلت مضاعفات جانبية وهنا يكمن الفرق بين الطبيب الكُفؤ والمكوّن جيدا وغيره”.

منتجات تجميلية مجهولة معروضة للبيع عبر “فايسبوك”
وتأسّف أوغانم، لظاهرة بيع منتجات طبية تجميلية، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، على غرار “الفيلر” و”البوتكس” وحبوب النفخ والشّد، لدرجة أصبحت بعض النساء تشترين هذه المنتجات بأموال باهظة، ويحقنّها بأنفسهن، خاصة في منطقة الخدين والشفاه، في ظاهرة شديدة الخطورة.
وأكد محدثنا، بأنه لا يمكن بيع هذه المنتجات الطبية التجميلية، إلا للأطباء، “فالبوتكس على سبيل المثال، يستفيد منه عدد قليل من التخصصات الطبية، وليس متاحا للجميع”.
وأردف بالقول “من يحقن نفسه بأدوية تجميلية، هو جاهل وغير مدرك للمخاطر التي تهدد صحته.. لأن مادة الفيلر أو ما يسمى علميا (حمض الهيالورونيك)، وفي حال تم حقنها عن طريق الخطأ في الأوعية الدموية، يمكن أن تسبب العمى للشخص، أو تسبب نخر الجلد”.
وأضاف، بأن المهمة الرئيسية لما بات يسمى بمراكز التجميل في الجزائر، تقتصر على علاج الشعر والأظافر والعناية بالجسم، كل حسب تجهيزاته المادية، ولكن في حال تعداه الأمر لاستعمال منتجات طبية، على غرار حقن وأدوية، فيمكن القول، بأن نشاطهم غير قانوني، وقد يتعرضون للمساءلة القانونية، في حال وردت شكاوى ضدهم.
ودعا المختص في الطب التجميلي، إلى تقنين ومراقبة عمل هذه المراكز، التي انتشرت بكثرة مؤخرا، والتوعية بخطورة القيام بعمليات تجميلية وخاصة جراحية، من طرف أطباء غير متخصصين.

جزائريون يقصدون أطباء الجلد لإصلاح ما أفسدته عمليات التجميل بالخارج
إلى ذلك، باتت عمليات شفط الدهون، تشهدا إقبالا كبيرا من طرف النساء والرجال على حدّ سواء، بل باتت أكثر العمليات المطلوبة لدى عيادات التجميل الجراحي، خاصة وأنّ آخر الإحصائيات الرسمية تشير إلى أنّ 55.6 بالمئة من البالغين يزيد وزنهم عن الوزن الموصى به، من بينهم 48.3 بالمئة من الرجال و63.3 من النساء، وهذا ما يعادل 20 مليون جزائري، بإضافة شريحة الأطفال التي يعاني خُمسها من هذا الداء.
ولأن السّفر بات شبه مستحيل للعيادات التونسية والتركية وحتى المصرية، التي كانت الوجهة الأولى للجزائريين، قبل جائحة كورونا، لإجراء عمليات شفط للدهون وقصّ المعدة بمبالغ خيالية.. تحولت العيادات الجزائرية إلى المنقذ الوحيد المتوفر حاليا.
ولأن العملية حساسة، وتحتاج لكفاءة في المجال، يُحذر الأطباء من إجرائها لدى أطباء غير متخصصين في المجال، مستشهدين بالحوادث الخطيرة والوفيات التي سجلت أثناء عمليات شفط الدهون بعيادات خاصة بالجزائر.
وفي هذا الصّدد، نصح الدكتور علي لونيسي المختص في الأمراض الجلدية والعلاج بالليزر بعيادة بباب الواد، في تصريح لـ ” الشروق”، الجزائريين بحُسن اختيار وجهتهم، أثناء إجراء العمليات التجميلية الجراحية وغير الجراحية، لأن الموضوع خطير.
وقال لونيسي: “لا يوجد اختصاص طب تجميلي، مثلما يدعي بعض الأطباء، بل غالبية الموجودين في الجزائر، هم أطباء عامون تكوّنوا على بعض العمليات التجميلية، وعلى استعمال الأجهزة التجميلية، وباتوا يلقبون أنفسهم أطباء تجميل”.
وأعطى المختص مثالا، عن طبيبة عامة قصدته، لإجراء عملية نزع الشعر بالليزر، وبعدها استوردت الجهاز من الخارج، وخضعت لتكوين قصير المدى، وصارت تقول بأنها متخصصة في استعمال الليزر، وباتت تستقطب المرضى !!
كما حذّر لونيسي مما بات يعرف باستعمال بلازما الدم، لإعطاء نضارة للوجه، وإزالة الجيوب والهالات السوداء تحت العينين، التي تتم عن طريق سحب دم الشخص وإخراج البلازما منه، وإعادة حقنها في وجهه أو بمناطق في جسده، وبحسبه، فإن “هذه العملية خطيرة، وقد تسبب مضاعفات غير محمودة العواقب”.
ومن جهة أخرى، أكّد محدثنا أن كثيرا من الجزائريين الذين أجروا تجميلا في بعض الدول ومنها تونس وتركيا، ودفعوا أموالا طائلة، تكللت عملياتهم بالفشل، بل وتسببت لهم في عاهات مستديمة.. حيث قال: “يأتون إلينا نحن أطباء الجلد في الجزائر، لنصلح ما أفسده لهم الأطباء الأجانب”، وسرد علينا قصة سيدة كادت تتعرض للعمى، بعد إجرائها عملية رسم “أي لاينر” دائم على جفنيها بالخارج، حيث تورمت المنطقة كثيرا وتقيحت، وقصدته للعلاج.