“الطفل”

يُنسب إلى المؤرِّخ والسياسي والخطيب الروماني ماركوس تللؤس شيشرون (106-43 ق. م) قوله: “من لم يعرف التاريخ يظلّ طفلا أبد الدهر” وأزيد عليه أو لم يفهم التاريخ.
استعرضت في ذاكرتي من أعرف من البشر مباشرة أو قراءة أو سماعا من يمكن أن ينطبق على هذا الوصف وتجسِّده أحسن تجسيد، فلم أجد إلا المسمى إيمانويل ماكرون، رئيس فرنسا، ومن يؤمن بـ”هذيانه”، كبعض المتردّية والنطيحة من أراذلنا، الذين كان الشيخ المجاهد أبو اليقظان يسميهم “الألسن الفرنسية في الأفواه الجزائرية”.
قد يقول أناسٌ إن “ماكرون” ليس “طفلا”، والدليل على أنه ليس كذلك أن كثيرا من الفرنسيين حسبوه “شيئا مذكورا” وارتضوه لرئاستهم، وقد يزكّونه لفترة رئاسية ثانية، ولهؤلاء نقول ما يقول بعض علماء النفس من أن بعض الناس ينْمون “بيولوجيّا”، ولكنهم لا يرشدون فكريا، ولا ينضجون نفسيا فيكونون في مظهرهم الخارجي أناسا أسوياء، فإذا قالوا شيئا أو فعلوا تبين أن “المظهر خداع”، كما أن بعض علماء النفس تحدثوا عما سمُّوه “المراهقة الفكرية”، وهي أن يكون المرء مسنّا و”عقله في مرحلة الحبو”.
لو لم يكن ماكرون “طفلا” بالمعنى “الشيشروني” لما عميت عيناه وبصيرته عن سنة إلهية وهي أن حتى الحيوانات “أممٌ أمثالكم”، فكيف لا يكون الجزائريون – بتسمياتهم عبر التاريخ – “أمة”، وليس “حتميا” أن يكون تطورهم التاريخي كتطور هؤلاء أو هؤلاء من “بني آدم”. وهذه هي “سمة الثقافة الغربية” كما أكد ذلك المؤرخ الأمريكي كافين رايلي في كتابه “الغرب والعالم”، إذ لا يعترف الغربيون – وفي مقدمتهم الفرنسيون – إلا بمن جاء على “شاكلتهم”، فإن قلدهم “منّوا” عليه، وهذا أخسّ أنواع الإنسانية وأحطّها، ومن أبى أن يكون “صورة” عنهم، شنّوا عليه حربا نفسية.
وقد أدرك هذه النقيصة في الثقافة الغربية المفكّرُ الفرنسي روجي غارودي – قبل أن يسلم – فدعا البشرَ، والغربيين الأنانيين قبل غيرهم، إلى ما سماه: “في سبيل حوار الحضارات”.. وقد صدق هذا الرجل عند ما اعتبره “الغرب كلمة رهيبة” وأنه هو “الشر الأبيض”.
إن مما يدل على أن “كبير” الفرنسيين هذا ما يزال “طفلا” بالمفهوم الشيشروني، هو “نكرانه” وجود دولة جزائرية.. فهل يستقيم في “عقله اللامعقول” أن تبعث دولة 61 قنصلا، و96 مبعوثا إلى دولة غير موجودة؟ وكيف استقام في “عقله اللامعقول” أن تبعث “دولته” سفيرين إلى دولة واحدة وهي “تركيا” ما دامت الجزائر في “عقله اللامعقول” مستعمَرة “تركية”؟ وكيف استقام في “عقله اللامعقول” أن تستقرض “دولته” الملايين من دولة الجزائر “غير الموجودة” ولا تذهب إلى عاصمتها اسطنبول لاستقراضها؟ وبمنطق “الطفل” ماكرون، فإن من حق تركيا اليوم أن تطلب من فرنسا تسديد الدين الذي اقترضته من الجزائر التي هي في “عقل الطفل” ماكرون “مستعمرة تركية”.
“واش اداك للواد يا ماكرون، وأنت ما تزال نتاع ساقية برك”. إن الإمام محمد البشير الإبراهيمي كان يسمّي فرنسا “صغرى الدول الكبرى، وكبرى الدول الصغرى”، فلمَّا اعتليت “عرشها” صيّرتها “صغرى الدول الصغرى”. إن خطأنا الكبير – نحن الجزائريين – هو كما يقول أستاذنا أبو القاسم سعد الله – رحمه الله – “أننا نصنع التاريخ ولا نكتبه”، ورحم الله مفدي زكرياء القائل في إلياذة الجزائر:
وكم بالجزائر من معجزات وإن جحدوها ولم تُكتب