المملكة “الديمقراطية”!

من أسوإ الحجج والتبريرات التي يقدِّمها بعض المغاربة، وهم يدافعون عن النظام المخزني ويتهجَّمون على الجزائر، هو زعمهم بأن المملكة الجارة تُسيَّر بنظام ديمقراطي. والحقيقة أن الذي وضع الديمقراطية من أزمان بعيدة، كخيار سياسي واجتماعي، لم يخطر على باله أن تمتزج المملكة أو الإمبراطورية أو الإمارة بالديمقراطية، اللهم إلا إذا كان معنى الديمقراطية ضيقا جدا، بمعنى أن الناس بإمكانهم أن يفعلوا ما يريدون ولكن في نطاق محدد، وبإمكانهم أن يختاروا من يحكمهم، ولكن في البلديات الصغيرة والهيئات البعيدة عن السلطة، لأن الآمر الناهي في المجالات الحاسمة والمصيرية داخليا وخارجيا، هو “صاحب الجلالة”. والغريب هو أنَّ الدولة العبرية أيضا راحت في مواقف كثيرة تصف المملكة المغربية بـ”الديمقراطية”، بالرغم من أن أي مغربي يعلم بأن كل الكلمات الموجودة في قواميس العالم بسيِّئها وحسَنها بما فيها العربية والعبرية، لها مكان في المغرب، إلا الديمقراطية، سواء شعبيا أو برلمانيا، بدليل أن اختيار التطبيع لم يستشِر فيه المخزن حتى المنتخبين الكبار ولا نقول الصغار وعامَّة الشعب.

إذا كانت بريطانيا أو السويد أو غيرهما من مملكات العالم تسير بالديمقراطية، فلأنَّ ملوكها لا يحكمون كما هو الحال مع الجارة المغربية التي لا يرى ملكها إلا ما يرى.

سنكون ظالمين لجيراننا لو قلنا إنَّ المغرب هو من اختار إسرائيل سندا عسكريا وسياسيا واقتصاديا ومعنويا له، لأن غالبية الشعب – والنظام الملكي نفسه يعرف جيدا ذلك – يتحرّج من وضع بلاده، التي أضافت في التطبيع الذي اختارته بعض الدول العربية، خطواتٍ أخرى لا أحد تصوَّرها بما في ذلك إسرائيل، التي لم تحلم قطّ بأن يطلَّ عليها حينٌ من الدهر، تستطيع فيه أن ترسل تهديداتٍ مباشرة لدولة عربية مسلمة هي الجزائر، من بلدٍ عربي مسلم هو المملكة المغربية، وبمباركة تامة من المملكة غير الديمقراطية.

هناك دولٌ كثيرة في العالم العربي تزعم الديمقراطية، والحقيقة أنها جميعا فشلت حتى في مطاولة دول إفريقية ناشئة مثل رواندا، ولكن تحقيق ذلك يبقى واردا في كل الجمهوريات إلا في مملكة تورّث الحكم للابن، ولا تستشير في ذلك أيّا كان من الشعب الذي تقدّم له الديمقراطية مجزّأة وليست كاملة.

لا أحد بإمكانه أن يقول إن رؤساء الحكومة الذين تولوا “القيادة” المزعومة في المغرب من عهد مبارك البكاي إلى عهد عزيز أخنوش مرورا بعباس الفاسي وعبد الإله بن كيران وسعد الدين العثماني، كانوا يمتلكون الحرية في القرار، حتى وإن كانوا يمثلون الحزب الفائز في الانتخابات، وهم أنفسهم يعلمون بأن “الديمقراطية” التي تُعطى لهم في طبق جاهز منذ أن يعيِّـنهم الملك، إنما هي محاطة بالخطوط الحُمر، بل إنها كتلة حمراء قانية أشدّ احمرارا من البلشفية الحمراء الغابرة.