طالبان.. واللّعب في الكبر!

الشعب الأفغاني شعبٌ مرتبط بأصوله ودينه وتقاليده حد النخاع، شعبٌ مجاهد لا يعرف من الحياة إلاّ مطاردة الغزاة والمحتلين وكل ظالم يريد سلب خيرات بلده، تحكمه العصبية والقبلية بشكل ربما يفوق وصف ابن خلدون للبدو، ولهذا لم يعرف في تاريخه القديم والحديث الاستقرار والسلم والمدنية، فما أن ينتهي من حرب ضد أجنبي غاصب محتل، إلاّ ودخل حربا أخرى ضد أخ في الدين أو القبيلة أو الوطن.

وهاهي حركة طالبان تعود لتمسك بزمام السلطة بعد حرب استنزاف دامت 20 سنة ضد الاحتلال الأمريكي، عادت لتدخل قصر الرئاسة بكل سلاسة وبهدوء تعجَّب له العالم أجمع، ووضع الكثيرَ من المهتمين والمحللين في حيرة من أمرهم، لكن الذي يعرف طبيعة هذا الشعب وأدبيات حركة طالبان، يدرك بأنه يوم هروبهم وتحصُّنهم بالجبال من الطيران الأمريكي في أكتوبر 2001 بأنهم عائدون لا محالة في يوم من الأيام، وما في ذلك أدنى شك، وهذا الذي حدث.

عادت حركة طالبان إلى الحكم، ورأينا المقاتلين الأفغان عبر الفيديوهات التي بثتها مختلف وسائل الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي كيف كانوا سعداء فرحين بذلك الانتصار، بالعودة إلى ديار لم يعرفوها ولم يبنوها، رقصوا في قصر الرئاسة وقد غمرتهم الدهشة بما رأت أعينهم من مُلكٍ ورفاهية، سعدوا بتجربة ممارسة الرياضة ورفع الأثقال، لعبوا في حدائق للعب الأطفال، كانت تغبطهم السعادة وكأنهم أطفالٌ صغار لم يبلغوا الرشد بعد، وكأنهم ليسوا هم أولئك القوم الجبّارين الذي لعبوا بأمريكا وبأسلحتها وطائراتها وقنابلها ودباباتها وجعلوها تهرب منهم وكأنها حُمرٌ مستنفرة فرّت من قسورة.

لكن بالرغم من كل هذا، من حقنا أن نطرح هذا التساؤل: هل عقلية طالبان وما تحمله من أدبيات، يمكنها أن تنجح في حكم شعب أفغانستان وأن تصنع له المدنية والحضارة التي ينتظر؟! هذا هو السؤال الجوهري الذي يجب أن نجيب عنه، خاصة وأن البناء السياسي والاقتصادي وتسيير حياة المواطنين هو التحدي الأكبر الذي يقف حجرة عثرة أمام حكام وأنظمة وسياسيي وشعوب العالم الثالث.

إن التحدي صعب جدا إن لم أقل بأنه مستحيل؛ فحركة طالبان المقاومة والتي نجحت في دحر العدو واللعب به في ميدان جبال تورا بورا (الغبار الأسود) لا يمكنها أن تبني دولة مدنية تجمع شمل جميع الفرقاء في الوطن الواحد، وكذا تحقيق الإقلاع الاقتصادي والتنموي والعلمي… لأن عقلية المجاهد الذي كبر على حمل السلاح والقتال والمفاهيم التي ينطلق منها في رؤيته وإدراكه للأشياء لا تصلح لكي تكون في معركة الوعي والإقلاع الحضاري. حركة طالبان إن أرادت أن تحافظ على هذا الانتصار وعلى استقرار الوطن عليها أن تترك الفعل السياسي للسياسيين، وأن تعود إلى الوراء، إلى حصنها الذي تدافع من خلاله عن الوطن، إلى الوظيفة التي تتقنها أيما إتقان.

على حركة طالبان- وحتى لا تعود إلى نقطة الصفر- أن تحترم الحريات، وتترك الفاعلين الاجتماعيين لبناء مجتمع مدني متطوِّر وقويّ، أن تحترم حقوق المرأة وأن تسمح لها بالمشاركة في بناء الوطن، أن تسمح بتشكُّل المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المختلفة من تنظيمات وأحزاب، أن تجعل لنفسها دستورا وقوانين تسيّر الجمهورية، وأن تنفتح على العالم الخارجي حتى لا تبقى ضحية لعزلتها وبالتالي سخط المواطنين عليها.

إن بناء دولة قوية يتأتى من الحريات والاستثمار في الإنسان، من الاهتمام بالرأس المال الثقافي والتنوع القبلي والعرقي، بالتخلص من المفاهيم المغلوطة التي يعتقدون بأنها من الإسلام، مفاهيم اختلطت بالأعراف والتقاليد والدين الإسلامي الحنيف. إنّ على حركة طالبان أن تدرك بأن اللعب في جبال تورا بورا أسهل لها من اللعب في حديقة الأطفال إن لم تدرك الوضع جيدا، وتعطي للمرحلة حقها، وتتعلم من تجاربها السابقة.