قنواتٌ تستغل البراءة لتحقيق الرّبح والانتشار..

عندما يُفتح الباب للدّخلاء وتغيب أخلاقيّات المهنة

إظهار للوجوه البريئة، وترويج لسلوك ” التنمّر”… هي بعض من مظاهر الانفلات الإعلامي لبعض القنوات التلفزيونية، تجاه فئة الطّفولة.. وهو نتيجة سوء فهم لحرّية التعبير أو “للحرية المسؤولة”.
فبدل تسخير ” التلفزيون ” لخدمة المُجتمع، تحوّل بعضه إلى صانع للفوضى وجالب للغوغائية. فبين الحرّية والمسؤولية.. يقع الخلاف دوماً بين الإفراط والتفريط. فالى أيّ حدّ يمكننا التحكم في الأخلاقيات المهنية،عندما يتعلّق الأمر بصورة الطفولة إعلاميا؟

أطفال عرضة للتنمر بعد ظهورهم في التلفزيون

يقول الرّوائي الأمريكي والناقد الاجتماعي الشهير، جيمس كوبر ” أنّ الصحافة إذا كانت خادما أمينا، فإنها في الوقت ذاته سيد مُرعب.. وإذا كانت حارسة للمجتمع وحقوق الناس، فإنها بحاجة إلى من يحرسها ويراقبها “.
فالحرية والمسؤولية في قطاع الإعلام، متكاملتان. فالأولى ومع ما يحمله معناها من اتساع ورحابة، تأتي الثانية لتحد من اتساعها وتضبطها.. ليسود النظام والسيطرة.
ويبقى ” التلفزيون ” أكثر القطاعات، التي تتلازم فيها الحرّية والمسؤوليّة، لاستقطابه أكبر عدد من الجمهور. ومحتم على صحفييّه مراعاة المصلحة العامة، واحترام الحقوق الدستورية لجميع الفئات، تجنبا للانفلات والغوغائية. فبعض القنوات التلفزيونية بالجزائر، تمادت في خرق الأخلاقيات، وبشهادة رجال الصحافة والإعلام أنفسهم.

الشاذ يستحق الظهور !!
وترافق فتح مجال السمعي البصري بالجزائر منذ 2012، مع خروقات صريحة للأخلاقيات المهنية. اذ طغى موضوع استقطاب المشاهدين، على المسؤولية الاجتماعية، ما انعكس سلبا على المشهد العام للمجتمع. وكانت الطفولة أكثر الفئات المتضررة.
وتمتعت قنوات السّمعي البصري الخاصة في بداياتها، بهامش واسع جدا من الحرية، بلغ أحيانا حالة الفوضى. فظهر إعلام ” الإثارة والفضح “، تحت شعار ” خالف تُعرف أو أن الشاذ يستحق الظهور.”

22 بلاغا حول مضامين إعلامية مسيئة للطفل سنة 2021
مواضيع مخلّة وكسر للطابوهات لإثارة التعاطف مع القصر !!

والأمر انعكس على صورة الطفولة، والذي يوصف واقعها في إعلامنا المرئي بـ ” المؤسف” في بعض جوانبه. فبعض القنوات حاولت رفع نسب مشاهدتها، عن طريق عرض صور أطفال ضحايا حوادث إجرام مختلفة، وأظهرتهم جالسين في ” بلاطوهاتها “، يسردون بعفوية مأساتهم، في حصص يقال عنها ” اجتماعية “.. ووجوههم ظاهرة، في اختراق خطير للخصوصية. وبرامج أخرى، تعرض صُور جمعيات تقول أنها ” خيرية “، تتسابق لتقديم المعونات للأطفال الفقراء وبتوثيق من ” الكاميرا “.

شكوا أوضاعهم فحوّلتهم الكاميرا إلى ” نكتة “
ومن منا لم يضحك أو حتى ” يسخر ” من تصريحات أطفال صغار، كانوا يشكون مرارة حياتهم اليومية أمام الكاميرات، بأسلوبهم البريء والطريف، فتحولوا إلى ” مسخرة ” على مواقع التواصل الاجتماعي. وكان فيديو ” باطة ياغورتة ” الذي يشكو فيه تلميذ من ولاية داخلية رداءة الوجبة المدرسية، الأكثر تداولا وتنكيتا على ” اليوتيوب “.
ففي أي مناسبة، سواء كان دخولا اجتماعيا أو عيدا وطنيا أو دينيا، أو حتى داخل مكان مُعيّن، سواء كان مستشفى أو مقر شرطة أو ملعب أو في الحيّ والشارع. نرى وجوه الأطفال معروضة على الشاشة الصّغيرة، دون استئذان أولياء أمورهم.
وحتى في الومضات الإشهارية، رأينا أطفالا يرقصون ويغنون، ويُردّدون كلاما، ويروّجون لمنتجات لا علاقة لها باحتياجاتهم، بل هي ممنوعة أصلا على الطفل.. ونجزم أن هذا الصّبي يجهل حتى موضوع الإشهار..؟؟

تجاهل تام للآثار السلبيّة للبرامج الإعلامية
وأكد رئيس الشبكة الجزائرية للدفاع عن حقوق الطفل ” ندى”، عبد الرحمن عرعار، في اتصال مع ” الشروق”، رصدهم الكثير من التجاوزات الإعلامية، بخصوص حقوق الطفل. وقال ” تكلمنا مع بعض مسؤولي القنوات الخاصة، نعلمهم بوجود خرق لحقوق الطفولة، وللأسف لم نتلقىّ منهم ردّ فعل منصف “.
ومن هذه الخروقات، تسجيل حصص تلفزيونية بحضور أطفال مكشوفي الوجوه. وهذا ما يُعتبر اعتداء خطيرا على حق الطفل في الأمان، خاصة وأن التسجيلات المرئية تُحفر في الذاكرة الجماعية. فكيف يكون مستقبل طفلة تعرضت للإغتصاب، وتمّ عرض صورها تلفزيونيا؟؟ فحتى ولو تم إنصافها قضائيا، فمستقبلها غامض.
وبلغة الأرقام، تلقت شبكة ” ندى ” خلال سنة 2021، أكثر من 22 بلاغا حول مضامين إعلامية مرئية مُسيئة للطفل، كلها متعلقة بنزاعات أسرية وانتهاكات جسدية.
وقال عرعار، بأن ” ندى ” تتدخل في مثل هذه الخروقات، فنكون همزة وصل بين هيئات الضبط والقنوات.، متأسّفا لكون غالبية القنوات ” لا تحترم حقوق الطفولة، ولا تنتبه للآثار السلبية التي تسببها بعض برامجهم “.

دبدوش: يحسبون حرية الإعلام مُطلقة !!
ويرى أستاذ الإعلام بجامعة البليدة 2، الهاشمي دبدوش لـ ” الشروق”، بأن الإعلامي ومع الحرية الواسعة الممنوحة له، مُطالب أخلاقيا بالانصياع لمسؤولية احترام حقوق وحريات جميع فئات المجتمع.
وقال إن بعض القنوات أطلقت لنفسها العنان، متجردة من أخلاقيات الممارسة الإعلامية، بحجة أن حريات الإعلام مطلقة. وهي لا تدري أو ” تتعمّد ” بأنها لا تدري تعدّيها على حريات الآخرين، وضربها مقومات المجتمع وقيمه. فالحرية لدى بعض القنوات ” أصبحت تعني كشف عيوب الآخرين، والسعي لسبق إعلامي “.
فالبعض تمادى، واستغل صورة الطفل إعلاميا، مُحوّلا إياه من ضحية إلى كتلة عقد نفسية، و” بالتالي فقد أسيء فهم حرية التعبير في بلادنا.. لأن حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين “.

حماية الطفل من المضامين الإعلامية حق دستوري
وشدّد وزير الاتصال عمار بلحيمر، على ضرورة احترام الأخلاقيات المهنية، خاصة في قطاع السمعي البصري، مؤكدا عدم تسامح وزارته وفي حدود صلاحياتها، مع أيّة تجاوزات أو تصرّفات غير مهنيّة، سواء صدرت من مؤسسات إعلاميّة عمومية أو خاصة.
وأشار الى ضرورة التزام مختلف وسائل الإعلام بآداب المهنة وأخلاقياتها، ” باعتبارها جوهر عملية الإصلاح المتواصلة بالقطاع “.
كما تدخلت سلطة ضبط السمعي البصري، لضبط الأمور، وخاصة خلال فترة الحجر الصّحي. وتُرجمت تدخلاتها، في إجراءات الوقف المؤقت أو النهائي لبعض القنوات، وتوجيه تنبيهات وتحذيرات لوسائل إعلام أخرى بما فيها العمومية، حماية لحقوق جميع أفراد المجتمع.
فمثلا، خلال فترة الحجر الصّحي، دعت سلطة الضبط، إلى ضرورة حماية الطفل من المضامين الإعلامية، عن طريق اختيار البرامج المعروضة على الجمهور الناشئ بدقة. وخاصة الأخبار المتعلقة بخطورة الفيروس، وما يمكن أن يُشكّله الأمر من خوف وتعقيدات نفسية وتهديد لسلامة الطفل الجسدية.
كما كشفت، عن توفير دليل وبالشراكة مع فاعلين ومتخصصين ومهنييّن، للمساعدة في كيفية التعامل الإعلامي مع فئة الأطفال.

450 إخطار عن انتهاكات ضد الطفل منذ جانفي المنصرم
وأكّدت المفوضة الوطنية لحماية الطفولة، مريم شرفي، بأنّ حماية الحياة الخاصة للطفل، هي من أهم حقوق هذه الفئة، ويُعاقب القانون كل من يمس بها. مع تخصيص رقم أخضر 1111 للتبليغ عن أي انتهاكات لحقوق الطفل، بما فيها التشهير.
وكشفت، عن تلقّي هيئتها لـ 450 إخطارا حول المساس بحقوق الأطفال منذ شهر جانفي الماضي، ومن بينها اخطارات حول التشهير والمساس بالحياة الخاصة للأطفال.
وبدوره، شدّد المُختص في القانون، عمار خبابة، على صرامة القانون في مجال حماية الطفل، حيث ينص على احترام خصوصيّته، وحتى أثناء محاكمته.
فصدر القانون 15/12 في العام 2015، وهو خاص بحماية الطفل، حيث يمنح حماية اجتماعية وقضائية للأحداث أقل من 18 سنة. وقال ” جلسات محاكمة القاصر تكون سرّية، وبحضور وليّه ودفاعه ومصلحين اجتماعيين، إذا اقتضت الضّرورة، لأن الطفل محمي في الدستور الجزائري “.
وأكد المتحدث لـ ” الشروق “، بأن القانون يعاقب كل شخص يبث تسجيلا صوتيا أو سمعيا بصريا لطفل، في أي وضعية، حتى ولو كان الطفل ضحية اعتداء، أو يقوم ببث سمعي بصري لتصريحات طفل، أو ما يدور في جلسات الجهات القضائية للأحداث، أو ينشر ملخصا عن المرافعات والأحكام.

إعلاميون يستجوبون الأطفال وكأنهم مُحقّقون
كما يعاقب القانون، وفقا للمادة 137 من قانون حماية الطفل، من سنة إلى 3 سنوات كل من يحاول النيل من الحياة الخاصة للطفل، بنشر أو بث نصوص أو صور بأي وسيلة كانت، ويُعاقب، كل من يستغل الطفل عبر وسائل الاتصال مهما كان شكلها، بشكل منافي للآداب العامة والنظام العام المفروض.
وتأسّف المحامي، لإظهار أطفال في مضامين إعلامية سمعية بصرية، وهم يسردون مشاكل عائلاتهم ويذرفون الدموع، وقال ” بعض الإعلاميّين يستجوبون الأطفال، وكأنهم محققون.. ولذلك أدعو لتدخل السلطات، ردعا لمثل هذه التجاوزات المهنية..ونحن كحقوقيين مازلنا ندافع وبقوة عن حقوق الطفولة في بلادنا “.
وأضاف، المختص في القانون، محمد مقران، إن ظاهرة التشهير بالأطفال إعلاميا، أضحت ” رائجة “، رغم تنافيها مع أخلاقيات الممارسة الإعلامية، والملزمة مهنيا بعدم المساس بالحرية الخاصة للأشخاص، وخاصة الأطفال، مهما كان العمل المنجز.
وقال ” بعض وسائل الإعلام، صارت بوابة لاستغلال الأطفال، والتشهير بهم، بل وأضحت منصات يستغلها حتى الأولياء في الدفع بأولادهم، من أجل كسب بعض الشهرة أو المال “.
وحسبه، لا يعقل أن يمنع القانون كل أنواع المساس بكرامة الطفل حتى الجانح، وذلك من خلال توفير كل ظروف التخفيف وإجراءات المحاكمة،” لنجد وسائل إعلامية تجانب المهنية، وتعكف على إقحام الأطفال في برامج تتطرق لمشاكل البالغين من ذويهم كشهود ”
ولكون الطفل ينتمي الى الفئة الضعيفة في المجتمع، المحتاجة إلى اهتمام ورعاية، فإن حماية الحياة الخاصة له، تعتبر من أهم المحاور التي يتم التأكيد عليها في المحافل الدولية، ومع انضمام الجزائر إلى اتفاقية حقوق الطفل والتوقيع عليها في 23/12/1992، وإٕدراجها ضمن التشريعات الوطنية للبلاد، ” فيعد ذلك حرصا منها على سلامة الطفل، وتوفير الحماية اللازمة له، وضمانة لحقوقه التي كرستها في قوانينها الداخلية، بدءا من قانون الأسرة الذي يكفل هذه الحقوق، وصولا إلى قانون العقوبات الذي يوقع العقاب والجزاء على كل من تسوله نفسه إلحاق الأذى بفئة الطفولة”.

التنمر على الطفل قد يقوده إلى الانتحار
وحسب تقارير صادرة عن منظمة حماية الطفولة ” يونيسيف “، فكثير من الأطفال، يتعرضون للتنمر، بعد عرض صورهم أو تسجيلاتهم على قنوات تلفزيونية. وهو ما أكده بروفيسور علم النفس، أحمد قوراية عبر ” الشروق”، مركزا على ظاهرة نشر صور الأطفال الفقراء والمرضى ” تلفزيونيا ” وهم يتلقّون المساعدات من المحسنين.
وقال، أن هذه الظاهرة، والتي ساهمت بعض القنوات في الترويج لها، ” لها أبعاد نفسية سلبية على نفسية المتلقي للمساعدات، خاصة الطفل، بعد نشر صورهم على نطاق واسع، وهو سلوك غير صحي، يفرز العديد من التعقيدات للعائلة المحتاجة “.
وحسبه، يتحول الإحسان الذي من المفروض أن يحفظ كرامة الشخص، إلى إهانته أمام الملأ، ويعرضه للتنمر في محيطه الاجتماعي، ويعيش منبوذا بمجتمعه.
ويرى قوراية، بأن الإعانات التي تقدم للناس ويتم توظيفها إعلاميا، تأذي الأشخاص نفسيا، مردفا ” قد يبرر البعض بأن تلك الصور فقط للتبرير لجهة معينة، ونقول لهؤلاء بإمكانك حفظ الصور أو الفيديوهات، وتقديمها للجهة التي تريد، بعيدا عن التشهير، وخدش نفسية أطفال وجرح كرامتهم، لأن الإنسانية أكبر من أن تكون صورا يبثها المُراؤون “.
أما عرض صور أطفال، أمام عدسات الكاميرات التلفزيونية، أو استضافتهم في بلاطوهات مكشوفي الوجوه، هذا أيضا ” خرق لحقوق الطفل، الذي يعتبر رجل الغد.. فلا تقهروه بالعقد النفسية طويلة الأمد، علما أن الصحة النفسية للطفل ترافقه في جميع مراحله العمرية، وتبقى محفوظة في ذاكرة محركات البحث العالمية عبر الإنترنت وعبر قنوات اليوتيوب. وهذا مخل بحقوق الطفل وضرب لقوانين المشرع الجزائري، والذي وضع شروطا وقيودا على الصور خاصة “.
ونخلص أن الحرية والمسؤولية، وجهان لعملة واحدة في الإعلام. فالحرية تلازمها دوما مسؤولية اجتماعية، نمُيّز فيها بين الخطأ والصواب، وبين الأخلاقيات المهنية والانفلات الإعلامي. فالصحفي لا يطلق العنان لنفسه، بغير حدود أو ضوابط. لأنّ الحريات ليست مطلقة. فالحرية دوماً في حاجة إلى حماية، وتقابلها المسؤولية حماية للحرية ذاتها، وإلاّ انقلبت فوضى، تصيب حريات وحقوق الآخرين.